
نافذة الانتظار
Mohamed Nadjib Righi
提示詞
عِطْرُ الْيَاسَرِينِ ثُمَّ إِنَّنِي كُلَّمَا ظَنَنْتُ أَنَّ الصَّمْتَ قَدْ بَلَغَ آخِرَهُ، سَمِعْتُ فِي الْجِهَةِ الْأُخْرَى مِنَ الْغِيَابِ ارْتِعَاشَةً تُشْبِهُ اسْمِي، كَأَنَّ شَيْئًا مَا يَزَالُ يَعْبُرُ بَيْنَنَا دُونَ أَنْ يَمْلِكَ شَجَاعَةَ الْوُصُولِ. لَمْ نَكُنْ بَعِيدَيْنِ بِمَا يَكْفِي لِنَنْسَى، وَلَا قَرِيبَيْنِ بِمَا يَكْفِي لِنَلْتَقِيَ؛ كُنَّا نَتْرُكُ لِلظِّلِّ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَنَّا، وَلِلصَّمْتِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَفْوَاهِنَا، كَيْلَا تَنْكَشِفَ تِلْكَ الْكَلِمَةُ الَّتِي لَوْ قِيلَتْ، لَانْهَارَ بَيْنَنَا كُلُّ مَا أَبْقَى الْمَسَافَةَ حَيَّةً. وَكَانَ كُلٌّ مِنَّا يَحْمِلُ نِصْفَ نَجَاةٍ، وَنِصْفَ غَرَقٍ، وَنِصْفَ جَوَابٍ لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا بِالْآخَرِ. هُنَاكَ، عِنْدَ الْحَافَةِ الَّتِي لَا تَسَعُ اعْتِرَافًا وَلَا إِنْكَارًا، لَامَسَتْ رُوحُكِ رُوحِي كَمَا يُلَامِسُ الضَّوْءُ سَطْحَ الْمَاءِ: يَتْرُكُ ارْتِعَاشًا، وَلَا يَتْرُكُ أَثَرًا. وَكَانَ الْأَلَمُ يَنْمُو فِي دَاخِلِي كَجِذْرٍ أَعْمَى، يَمُدُّ أَصَابِعَهُ فِي الْجِهَاتِ كُلِّهَا، وَلَا يَجِدُ غَيْرَ قَلْبِي تُرْبَةً يُوَاصِلُ فِيهَا امْتِدَادَهُ. كُلَّمَا حَاوَلْتُ أَنْ أَنْزَعَ اسْمَكِ مِنْ دَمِي، نَزَفَتِ الذَّاكِرَةُ أَكْثَرَ، نَزَفَتْ وَتَقَطَّعَتْ، وَكُلَّمَا أَغْلَقْتُ نَافِذَةَ الِانْتِظَارِ، دَخَلَ مِنْهَا طَيْفُكِ حَامِلًا عِطْرَ الْيَاسَرِينْ، كَأَنَّ الْغِيَابَ نَفْسَهُ كَانَ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ إِلَيَّ. كُنْتُ أَضُمُّ مَا تَبَقَّى مِنِّي كَمَا يَضُمُّ الْغَرِيقُ خَشَبَةً لَا تُوصِلُهُ إِلَى الشَّاطِئِ، لَكِنَّهَا تَمْنَعُهُ مِنَ الْغَرَقِ الْأَخِيرِ. وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ قَلْبِي يَسْأَلُ: هَلْ كَانَ مَا بَيْنَنَا حُبًّا أَمْ خَوْفًا مِنْ أَنْ نَعِيشَ بِدُونِهِ؟ وَحِينَ أَدْرَكْتُ أَنَّ بَعْضَ الْجِرَاحِ لَا تُغْلَقُ لِأَنَّهَا آخِرَ مَا تَبَقَّى مِنَ اللِّقَاءِ، وَأَنَّ بَعْضَ الْأَرْوَاحِ لَا تَفْتَرِقُ لِأَنَّهَا لَمْ تَلْتَقِ تَمَامًا، تَرَكْتُ قَلْبِي لِلْغُمُوضِ، وَتَرَكْتُ لِلْغِيَابِ نَافِذَتَهُ، وَتَرَكْتُ لِي هَذَا الْأَلَمَ كَيْ يَكُونَ الشَّاهِدَ الْوَحِيدَ عَلَى أَنَّنَا مَرَرْنَا مِنْ هُنَا. أَتَحَطَّمُ بَيْنَ شَفَتَيْكِ وَأَتَمَزَّقُ بَيْنَ نَهْدَيْكِ وَأَمُوتُ فِي عَيْنَيْكِ وَتَائِهٌ بَيْنَ يَدَيْكِ فَأَنَا أَنْتِ وَمِنْكِ إِلَيْكِ ثُمَّ سَكَتُّ… فَلَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ، وَلَمْ يَرْجِعْ شَيْءٌ، وَبَقِيَتِ الرُّوحُ مُعَلَّقَةً بَيْنَ مَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ، وَمَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُونَ. هُنَا يَنْتَهِي السَّرْدُ